من حوكمة البيانات إلى حوكمة الذكاء الاصطناعي: الأساس نفسه، مع عدة ضوابط إضافية

إنفوجرافيك من Green Data بعنوان «من حوكمة البيانات إلى حوكمة الذكاء الاصطناعي: الأساس نفسه، مع عدة ضوابط إضافية». في الأعلى لوحةٌ خضراء عنوانها «الأساس · حوكمة البيانات، الانضباط الكامل المستمرّ الذي تُطبّقه أصلاً» (موسومة «تعمل باستمرار») تعرض تدفّقاً من أربع خطوات: استراتيجية الأعمال، استراتيجية البيانات، السياسات والأدوار والمسؤوليات والمؤشّرات، والمراقبة والتحسين المستمرّ، وتحتها أمثلة ضوابط: البيانات الوصفية، البيانات المرجعية والرئيسة، جودة البيانات، الوصول والأمن، وغير ذلك. ثمّ شريطٌ هابط يقول: حوكمة الذكاء الاصطناعي هي الانضباط الذي تُطبّقه أصلاً ممتدّاً، عدة ضوابط إضافية والموارد التي تكافئها. وأسفله تحت عنوان «ما تضيفه حوكمة الذكاء الاصطناعي، الطبقات الجديدة الرئيسة، على سبيل التمثيل لا الحصر» خمس طبقاتٍ برموز: جرد الذكاء الاصطناعي والوكلاء (اكتشاف الذكاء الاصطناعي الخفيّ، تصنيف المخاطر، المُلكية والسجلّ)؛ المعنى والسياق للوكلاء (مسرد الأعمال، الطبقة الدلالية، منطق القرار)؛ سلوك النموذج ومخرجاته (التقييم والاختبار، كشف الانحراف، التحقّق من المخرجات)؛ الأفعال والأدوات والصلاحيات (كتالوج الأدوات المعتمدة، صلاحيات الحدّ الأدنى، الضوابط والحدود، إشراف بشريّ بالاستثناء)؛ وتنظيمٌ وضماناتٌ خاصّة بالذكاء الاصطناعي (EU AI Act، NIST AI RMF، ISO/IEC 42001، أدلّة التدقيق).

عملي في إدارة البيانات وحوكمتها، وهو الانضباط الذي يترجم استراتيجية الأعمال والبيانات إلى سياساتٍ ومعايير للبيانات، ويُثبّت المُساءلة عبر المالكين والمشرفين على البيانات (owners & stewards)، ويصون الاثنين عبر إشرافٍ وقياسٍ مستمرّين. من هذا الموقع أنظر إلى حوكمة الذكاء الاصطناعي (AI): انضباطٌ يرث هذا النموذج التشغيليّ ويمدّه إلى نطاقٍ أوسع بكثير. والمهمّ هنا أن نكون دقيقين في ما يضيفه هذا النطاق الأوسع فعلاً، وفي كلفته.

أين تظهر الفجوة

أوضح طريقةٍ لرؤية الفارق أن ننظر إلى ما يحدث حين يُضاف وكيلٌ (agent) إلى سير عملٍ في مؤسسةٍ أحسنت حوكمة بياناتها لكنّها لم تحوكم بعدُ ذكاءها الاصطناعي. البيانات تحت الوكيل سليمة: الجودة مقيسة، والوصول مضبوط، والبيانات الوصفية (metadata) مفهرَسة. مع ذلك قد يطفو أمران لم يكونا على قائمة حوكمة البيانات يوماً.

النموذج (model) الذي يُشغّل الوكيل يتدهور كلّما ابتعد العالم عن البيانات التي دُرِّب عليها. هذا هو انحراف المفهوم وانحراف البيانات (concept drift & data drift)، وما لم تُراقَب مخرجاته يكون هذا التدهور صامتاً. البيانات تبقى نظيفةً كما كانت؛ أمّا ما يصنعه النموذج منها فلا. وفي مسارٍ منفصل، يكون الوكيل قد مُنح مجموعةً من صلاحيات الأدوات، وما لم تُحدَّد تلك الصلاحيات بضوابط، تصرّف الوكيل ضمن أيّ نطاقٍ أُعطي له. الأساس البياني كان محوكماً، أمّا الوكيل الذي يعمل فوقه فلم يكن. الفجوة ليست في الأساس، بل في كلّ ما لم يُطلَب من الأساس أن يغطّيه.

حوكمة الذكاء الاصطناعي تضيف عدّة مجالات ضبطٍ لم يكن على حوكمة البيانات، بحكم تصميمها، أن تعالجها. وهي مجالاتٌ متوقَّعة: كلٌّ منها ينشأ عن منح البرمجيات القدرة على الاستدلال على البيانات والتصرّف بناءً عليها، والأقسام التالية تعرضها.

الأساس نفسه، مع عدة ضوابط إضافية

الضوابط التي تحوكم البيانات تبقى ضرورية، لكنّها لم تعد كافية. والفرق بين حوكمة الذكاء الاصطناعي وحوكمة البيانات مسألة طبقاتٍ تُضاف فوق القائم، لا مسألة استبدالٍ لما ينجح.

  • جرد الذكاء الاصطناعي والوكلاء. حوكمة البيانات تفهرس البيانات التي اختارت المؤسسة تحميلها. أمّا حوكمة الذكاء الاصطناعي فعليها أن تجد ما لم تختره المؤسسة: النماذج والوكلاء الذين اعتُمِدوا بهدوء، خارج أيّ خطّةٍ مركزية، كلٌّ منهم مُصنَّفٌ بحسب مخاطره وله مالكٌ مُسمّى. وما تجده نادراً ما يكون نظاماً واحداً. فالنماذج تتراكم كما تراكمت الأدوات دائماً: فريقٌ يأتي بنموذجٍ عالي القدرة لأصعب مسائله، وآخر يختار نموذجاً أرخص ليُبقي مهمّةً كثيفة الحجم في حدود الكلفة، ووظيفةٌ خاضعة للتنظيم تُبقي نموذجاً أصغر داخل حدودها حيث تحتاج ضبطاً محكماً، والبرمجيات التي تدفع المؤسسة ثمنها أصلاً تظلّ تُفعّل ميزات ذكاءٍ اصطناعيّ جديدة من تلقاء نفسها. لم يختر أحدٌ هذه المجموعة ككلّ؛ بل نمت فريقاً فريقاً وعقداً عقداً، ولهذا بالضبط لا تستطيع لوحة تحكّم أيّ مورّدٍ بمفردها أن تراها كلّها، فضلاً عن أن تحوكمها. الفهرس الذي أحصى البيانات ليس هو نفسه سجلّاً حيّاً لِما يتصرّف نيابةً عن المؤسسة، وذلك السجلّ يجب أن يعلو الأدوات الفردية، لا أن يسكن داخل كلٍّ منها.

  • المعنى والسياق للوكلاء. هذا هو الفارق الذي كتبتُ عنه مطوّلاً، وهو الأسهل تهويناً. البيانات الوصفية (metadata) والفهارس التي بُنِيت للبيانات إنّما بُنِيت للبشر. فمحلّل البيانات يقرأ تعريفاً مقتضباً فيسدّ الفراغات من خبرته؛ أمّا الوكيل فلا خبرة له يسدّ منها. يتصرّف على ما يقوله التعريف، وحيث يكون المعنى ملتبساً أو لم يُكتَب أصلاً، لا يتوقّف ليسأل، بل يمضي، وعلى نطاقٍ واسع. لذا فمعنى البيانات، بما فيه مسرد الأعمال (business glossary) وقواعد الأعمال (business rules) والطبقة الدلالية (semantic layer) المشتركة، صار لا بدّ من حوكمته بالصرامة نفسها التي تُحوكَم بها البيانات. وقد بسطتُ ذلك في حوكمة المعنى، لا البيانات وحدها: الفهرس الذي كفى لإفادة إنسانٍ لا يكفي لتشغيل وكيل.

  • سلوك النموذج ومخرجاته. قاعدة جودة البيانات تُعطي حكماً قاطعاً؛ الفحص نفسه على السجلّ نفسه يعطي الجواب نفسه في كلّ مرّة. أمّا مخرجات النموذج فاحتمالية: المدخل نفسه قد يُنتج نتائج مختلفة، فلا يمكن حوكمتها بقواعد ثابتة وحدها. وتظهر اللاحتمية نفسها في كيفية اتّباع النموذج للتعليمات: القاعدة التي تُوضَع في مُوجَّهه (prompt) طلبٌ لا ضمان، لذا فكلّ ما يجب أن يصحّ في كلّ مرّة مكانه ضابطٌ خارج النموذج لا في تعليماته. لذا تمتدّ الحوكمة إلى السلوك والمخرجات: التحقّق قبل إطلاق النموذج، ثمّ التقييم المستمرّ وكشف الانحراف (drift) وفحوص المخرجات، تُجرى بوصفها أنشطةً قائمةً دائمة لا مُخرجاتِ مشروعٍ لمرّةٍ واحدة. هذه هي إدارة مخاطر النماذج (model risk management)، الممارَسة منذ زمنٍ في القطاعات الخاضعة للتنظيم لنماذج الائتمان والحسابات الاكتوارية، وقد امتدّت الآن إلى الذكاء الاصطناعيّ الاحتماليّ.

  • الأفعال والأدوات والصلاحيات. هنا تفتح حوكمة الذكاء الاصطناعيّ الوكيليّ (agentic AI) أكثر ما تفتحه من أرضٍ جديدة. فحين يتصرّف الوكيل، سواء حدّث سجلّاً أو أرسل رسالةً أو بدأ معاملة، تبلغ الحوكمة الفعل نفسه: الأدوات التي يجوز له استخدامها، وصلاحياتٌ مقصورة على الحدّ الأدنى اللازم (least privilege)، والضوابط المحيطة بكلّ فعل، والإشراف البشريّ بالاستثناء. ينتقل الاهتمام ممّا يقوله الذكاء الاصطناعيّ إلى ما يفعله؛ والفعل أصعب حوكمةً من القول. وهذا يرفع أيضاً سقف السؤال عن مكان الضوابط. فالصلاحية المكتوبة في وثيقة سياساتٍ لا تقيّد شيئاً لحظة تصرّف الوكيل؛ لا بدّ أن يُفرَض الضابط وقت التنفيذ، في مسار الفعل نفسه، وإلّا كان سجلّ نيّةٍ لا ضابطاً.

  • تنظيمٌ وضماناتٌ خاصّة بالذكاء الاصطناعي. إلى جانب التزامات حماية البيانات والالتزامات القطاعية القائمة، للذكاء الاصطناعيّ التزاماته الخاصّة: قانون الذكاء الاصطناعيّ الأوروبيّ (EU AI Act) [1]، وإطار NIST لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعيّ (AI RMF) [2]، ومعيار ISO/IEC 42001 [3]. وهذه تعلو قواعد البيانات، لا تحلّ محلّها.

الكلفة التي تُقلّل معظم البرامج من شأنها

كلّ طبقةٍ من هذه الطبقات تجلب سياساتها وأدوارها ومؤشّرات أدائها. ومجتمعةً تجعل حوكمة الذكاء الاصطناعيّ أثقل مادّياً من حوكمة البيانات: قائمةٌ أطول، وضوابط وموازنات أكثر فاعليةً خلفها. وهذا الثقل ليس متساوياً، ولا ينبغي تطبيقه كأنّه كذلك: فهو يتناسب مع مقدار ما يقرّره النظام ويفعله فعلاً من تلقاء نفسه. فكثيرٌ ممّا يُسمّى اليوم «وكيلاً» إنّما يسترجع أو يصوغ تحت إشرافٍ بشريٍّ لصيق، ويكفيه ضبطٌ خفيف؛ أمّا الطيف الكامل من الضوابط فتستحقّه الأنظمة التي تتصرّف حقّاً. ومواءمة الحوكمة مع درجة الاستقلالية جزءٌ من الانضباط. ويبقى صحيحاً أنّ لهذا الثقل المضاف كلفة، وهي الجزء الأسهل نقصاً في التقدير حين يُخطَّط لبرنامج ذكاءٍ اصطناعيّ على أساس ميزانية الحوكمة التي تعرفها المؤسسة أصلاً.

استطلاع ماكنزي (McKinsey) للثقة في الذكاء الاصطناعيّ هذا العام أضاف حوكمة الذكاء الاصطناعيّ الوكيليّ وضوابطه بوصفها بُعد نضجٍ مستقلّاً لم يكن في نسخة العام السابق، ووجد الحوكمة متأخّرةً عن وتيرة تبنّي الذكاء الاصطناعيّ في كلّ منطقة [4]. وتلك الفجوة بين التبنّي والحوكمة هي الصورة القابلة للقياس من نقص التزويد: قائمةٌ نمت أسرع من الموارد التي خلفها. والتخطيط لبرنامج ذكاءٍ اصطناعيّ كأنّ حوكمته تكلّف ما كلّفته حوكمة البيانات هو الخطأ المحدَّد الذي يترك الطبقات الجديدة دون تغطية.

أساسٌ واحد، يُبنى بالتوازي

لا تقوم أيٌّ من هذه الإضافات وحدها. فالتحقّق من المخرجات، والسياق الذي يعتمد عليه الوكيل، وحدود ما يجوز له فعله، ليست أسلم من البيانات المحوكمة والوصول المضبوط تحتها. والوكيل الذي يعمل على بياناتٍ غير محوكمة، بصلاحياتٍ مفتوحة، لا تجعله المراقبة بعد وقوع الأمر جديراً بالثقة. وليست هذه مسألة مبدأٍ فحسب. ففي استطلاعٍ أجرته غارتنر (Gartner) لقادة إدارة البيانات، لم يكن لدى معظم المؤسسات، أو لم تكن متأكّدة من أنّ لديها، ممارسات إدارة البيانات التي يتطلّبها الذكاء الاصطناعيّ تحديداً؛ وتتوقّع غارتنر أن يُهجَر معظم مشاريع الذكاء الاصطناعيّ التي تفتقر إلى بياناتٍ جاهزةٍ للذكاء الاصطناعيّ (AI-ready data) حتى عام 2026 [5]. الأساس يبقى أوّلاً، لكنّ عمل الذكاء الاصطناعيّ لا ينتظر اكتماله.

لهذا أتعامل مع حوكمة البيانات وحوكمة الذكاء الاصطناعيّ بوصفهما جهداً واحداً لا تسلسلاً، كما بسطتُ في إطار الجناحين (Two Wings). فالأساس البيانيّ والقيمة التي يبنيها الذكاء الاصطناعيّ فوقه يتقدّمان معاً، يشكّل كلٌّ منهما الآخر. متطلّبات الذكاء الاصطناعيّ تُظهِر أولويات البيانات مبكّراً، والبيانات المحوكمة هي ما يجعل الذكاء الاصطناعيّ جديراً بالثقة. لا تُنهي أحدهما لتبدأ الآخر.


ملاحظات

  1. اللائحة (EU) 2024/1689 (قانون الذكاء الاصطناعيّ الأوروبيّ)، بما فيها التزامات المراقبة بعد الطرح لأنظمة الذكاء الاصطناعيّ عالية المخاطر.
  2. المعهد الوطنيّ للمعايير والتقنية (NIST)، إطار إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعيّ (AI RMF 1.0)، 2023.
  3. ISO/IEC 42001:2023، نظام إدارة الذكاء الاصطناعيّ.
  4. ماكنزي (McKinsey)، حالة الثقة في الذكاء الاصطناعيّ 2026: التحوّل إلى عصر الوكلاء، مارس 2026. الأرقام بياناتُ استطلاعٍ ذاتية التصريح؛ تحقّق من أيّ رقمٍ بعينه في المصدر قبل النشر.
  5. غارتنر (Gartner)، نقص البيانات الجاهزة للذكاء الاصطناعيّ يُعرّض مشاريع الذكاء الاصطناعيّ للخطر، بيان صحفيّ، 26 فبراير 2025. 63% من المؤسسات لا تملك، أو ليست متأكّدة من أنّها تملك، ممارسات إدارة البيانات الصحيحة للذكاء الاصطناعيّ (استطلاع للربع الثالث من 2024 شمل 248 من قادة إدارة البيانات)؛ وتتوقّع غارتنر أن تهجر المؤسسات 60% من مشاريع الذكاء الاصطناعيّ غير المدعومة ببياناتٍ جاهزة للذكاء الاصطناعيّ حتى 2026.

سامي الطياره هو المؤسِّس والمستشار الرئيس لـ Green Data، إدارة البيانات وحوكمتها، يخدم منطقة الخليج بتخصّصٍ عميق في الامتثال لضوابط NDMO السعودية ورفع نضج مؤشّر NDI (نضيء). تواصل معي أو عبر لينكدإن.

تواصل معي

لنتحدّث عن بياناتك

LinkedIn هي القناة المفضّلة للتواصل معي. وللاستفسارات الرسمية أو المتعلقة بالمشتريات، يمكن مراسلتي عبر البريد الإلكتروني أيضًا.