كثيرٌ من فِرق الذكاء الاصطناعي (AI) التي ألتقيها مقتنعةٌ بأنّ مشكلتها في الاسترجاع (retrieval). تُعطي مساعداتها ووكلاؤها (agents) إجاباتٍ غير متّسقة، فتلجأ إلى المزيد — مزيدٌ من السياق في الموجِّه (prompt)، ثمّ تقنية RAG، ثمّ ربط نظامٍ آخر، ثمّ مزيدٌ من المستندات والبيانات الوصفية والقواعد. وتبقى الإجابات غير متّسقة. وفي النهاية يسأل أحدهم السؤال الأصحّ: ماذا لو لم تكن المشكلة يوماً في الوصول إلى المعلومة، بل في أنّ المؤسسة لم تتّفق قطّ على ما تعنيه المعلومة؟
أمضيتُ سنواتٍ في بناء أسس البيانات التي تقوم عليها التحليلات، والآن الذكاء الاصطناعي، وهذا هو النمط الذي أراه أكثر من غيره. البيانات متوفّرة، وما ينقص هو الاتّفاق على معناها.
بالأمس فقط رأيتُ ذلك يحدث في صورةٍ مصغّرة. تعطّل سير عملٍ آليّ عند خطوة استرجاع بسبب عبارةٍ واحدة ملتبسة — «شخصٌ مسؤول، لا لجنة». لم يوضّح السياق المحيط أنّ هذا الشخص المسؤول يجب أن يكون من داخل المؤسسة، لا مستشاراً خارجياً. فاستقرّ الاسترجاع على التأويل الخاطئ، وتوقّفت السلسلة الآلية، واضطُرّ عنصرٌ بشريّ للتدخّل لتفكيك المشكلة وإصلاحها. أمرٌ صغير — ومن النوع الذي، حين يتكرّر عبر وكلاء المؤسسة كلّها، يستنزف الثقة في المنظومة برمّتها بهدوء.
الاسترجاع يجد البيانات، لكنّه لا يتّفق على معناها
ثمّة تمييزٌ تتجاوزه معظم برامج الذكاء الاصطناعي. الاسترجاع (retrieval) يُجيب عن سؤال — ما المعلومات المتاحة؟ أمّا السياق (context) فيُجيب عن سؤالٍ آخر — ماذا تعني هذه المعلومة في هذا العمل تحديداً؟ تصبّ معظم البرامج جهدها وميزانيّتها في الأوّل، ولا تكاد تُولي الثاني شيئاً، ولا تنتبه إلى الفجوة إلّا حين يبلغ الاسترجاع سقفه. يمكنك أن تربط كلّ نظامٍ في الشركة وتظلّ تحصل على إجاباتٍ متناقضة، لأنّ التناقض كان في التعريفات منذ البداية.
لماذا لا يملك المعنى أحد
على الورق، يملكه أحد. فمجال إدارة البيانات يُسنِد المُلكية أصلاً إلى مشرف البيانات (Data Steward)، ويمنح المعنى داراً يسكنها: مسرد الأعمال (business glossary) وفهرس البيانات (data catalog). النظرية سليمة.
لكنّ موضع الخلل هو الممارسة، وأنا هنا أصف ما أراه في الميدان لا ما يقوله الكتاب. يُسمّى المشرفون في شريحة عرضٍ لكنّهم لا يُفعَّلون فعلاً — لا صلاحية حقيقية ولا ساعاتٌ مخصّصة. ويبقى المسرد والفهرس نصف ممتلئَين، بُدِئ بهما في مشروعٍ ولم يكتملا قطّ. فالمالك الموجود على الورق لا يكاد يفعل شيئاً، والمستودع الذي يُفترض أن يحفظ المعنى ناقص، وينتهي المعنى مملوكاً لـأحدٍ ما نظرياً ولـلا أحد عملياً. فيُعاد بناؤه، باختلافٍ طفيفٍ في كلّ مرّة، داخل كلّ موجِّه وكلّ سير عملٍ وكلّ وكيل.
ويزداد الأمر سوءاً مع قواعد العمل (business rules) — أي «منطق القرار المشترك» من العتبات والمفاضلات والاستثناءات التي تحوّل التعريف إلى قرار. فإن كانت التعريفات موثّقةً بشُحّ، فمنطق القرار يكاد لا يُوثَّق أصلاً؛ إنّه يعيش في رؤوس قلّةٍ من الناس. والذكاء الاصطناعي لا يصنع هذا الالتباس، بل يُشغّله ويضاعف أثره. وهذه نقطةٌ يطرحها عددٌ متزايد من ممارسي البيانات والذكاء الاصطناعي مؤخّراً، وتطابق كلّ ما أراه على أرض الواقع.
المعنى بنيةٌ تحتية
عاشت المؤسسات هذا من قبل — مع البيانات، ومع واجهات البرمجة (APIs)، ومع السحابة. اكتُشِف كلٌّ منها من القاعدة إلى القمّة، وتشظّى إلى حلولٍ محلّية، ثمّ أُعلِن في النهاية أساساً لا مجرّد مُخرَجِ مشروع. وذلك الإعلان هو ما حوّل الفوضى إلى استراتيجية. أمّا المعنى المؤسسيّ المشترك فلم تأتِه تلك اللحظة بعد. والذكاء الاصطناعي يفرضها الآن.
والسبب بسيط. الإجابة الخاطئة من روبوت محادثةٍ محدودةٌ وواضحةٌ غالباً. أمّا المعنى الخاطئ — غير المملوك، وغير المُؤرَّخ بالإصدارات، الجاري تحت كلّ وكيلٍ يتصرّف نيابةً عنك — فيُنتج أفعالاً خاطئة بهدوءٍ وعلى نطاقٍ واسع. سير عملي المتعطّل كان النسخة المرئية المحظوظة؛ أمّا النسخة الخطيرة فلا تتوقّف لتطلب المساعدة. وما إن يبدأ الذكاء الاصطناعي باتّخاذ القرارات حتى يتحوّل «الجميع يملك التعريفات» إلى «لا أحد يملكها» بسرعة.
الحلّ ليس دوراً جديداً، بل تفعيلٌ لِما هو قائم
لأنّ المجال يُسمّي المالك والدار أصلاً، فالعمل ليس في اختراع شيءٍ جديد، بل في تفعيل ما ينبغي أن يكون موجوداً أصلاً.
- فعِّل الإشراف (stewardship). امنح كلّ نطاقٍ حسّاس من البيانات مشرفاً مسؤولاً بالاسم — شخصاً لا لجنة — بصلاحيةٍ حقيقية وساعاتٍ فعلية مكتوبةٍ في صلب الدور. وحدِّد حتى ذلك بدقّة: كما أظهر سير عملي المتعطّل، عبارة «شخصٌ مسؤول» لا تكفي ما لم تحدِّد أيّ شخص — من الداخل، مُسمّى، ومُحاسَب.
- أكمِل المستودع. مسرد أعمالٍ وفهرس بياناتٍ ممتلئان فعلاً، ومتّفقٌ عليهما، ومُؤرَّخان بالإصدارات، ومُصانان — لا نصف مبنيَّين ثمّ متروكَين.
- التقِط منطق القرار، لا الكلمات وحدها. وثِّق قواعد العمل — العتبات والمفاضلات والاستثناءات — إلى جانب التعريفات، ليحمل المصطلح كيف يُستخدَم، لا ما هو فقط.
- اجعله مصدراً واحداً للمعنى. طبقةٌ دلالية (semantic layer) تقرأ منها التحليلات والذكاء الاصطناعي والوكلاء جميعاً، فتُعطي الإجابة نفسها للسؤال نفسه.
هذا ليس عملاً جديداً اختُرع للذكاء الاصطناعي، بل هو حوكمة البيانات موجَّهةً إلى المعنى بدل الصفوف والأعمدة: الإشراف نفسه، وحقوق القرار نفسها، وانضباط الجودة نفسه، مُطبَّقةً على ما تعنيه البيانات.
العائد
المؤسسات التي تقطع أشواطاً أبعد مع الذكاء الاصطناعي ليست تلك التي تملك أكثر البيانات أو أنظفها نماذج، بل تلك التي كفّت عن معاملة المعنى كتوثيقٍ وبدأت تعامله بنيةً تحتية — يقف خلفها مالكٌ حقيقي. وهذا السياق المشترك المحوكَم هو بالضبط ما يتيح للتحليلات والذكاء الاصطناعي والوكلاء أن يُعطوا إجاباتٍ متّسقةً وجديرةً بالثقة عبر المؤسسة — وهو أحد الأسس التي يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي الجدير بالثقة. وبناؤه — تفعيل الإشراف، وإكمال المسرد والفهرس، والتقاط منطق القرار — جوهرُ ما تقدّمه Green Data، والجسر إلى تحويل البيانات المحوكَمة إلى قيمةٍ من الذكاء الاصطناعي مع Aiconomica.
سامي طيارة هو المؤسِّس والمستشار الرئيس لـ Green Data — إدارة البيانات وحوكمتها. تواصل معي أو عبر لينكدإن.
