أسّستُ حوكمة البيانات في كثيرٍ من المؤسسات الكبيرة، وأعرف أين يكون موضع الخلل عادةً — وهو نادراً ما يكون في الإطار نفسه. تكتب المؤسسات سياسةً متقنة، وتُشكّل لجنةً، وتنشر المعايير، ثم لا تُولي العنصرَ الحاسم ما يستحقه من اهتمامٍ واستثمار: نموذج التشغيل، وهو ما يقرّر هل يصمد ذلك كلّه أمام العمل اليومي أم لا. ونموذج التشغيل هو الترتيب الحيّ الكامن تحت السياسة: مَن يقرّر ماذا بشأن أيّ بيانات، ومَن يتحمّل المسؤولية عند وقوع الخطأ، وكيف يُنجَز عمل الإشراف اليومي فعلاً. وحين تتحوّل الحوكمة بهدوءٍ إلى وثيقةٍ لا يتبعها أحد، يكون نموذج التشغيل هو السبب في الغالب الأعمّ.
ما هو نموذج التشغيل فعلاً
يُجيب نموذج تشغيل حوكمة البيانات عن ثلاثة أسئلة بصورةٍ محدّدة وبالاسم: مَن يملك حقوق القرار في كلّ نطاقٍ من نطاقات البيانات؛ ومَن يتحمّل المسؤولية عنه؛ وكيف يُموَّل عمل الإشراف الروتيني ويُنفَّذ — من تعريف المصطلحات، ووضع قواعد الجودة، ومعالجة المشكلات. السياسات تُعبّر عن النيّة، أمّا نموذج التشغيل فهو ما يحوّل النيّة إلى قراراتٍ ومسؤولين وممارسةٍ يومية. وبدونه تبقى السياسة إعلاناً عن نوايا حسنة لا أحد ملزَمٌ بالوفاء بها.
لماذا لا تدوم نماذج التشغيل
أنماط الإخفاق متوقَّعة، وأرى القليل منها يتكرّر مراراً:
- قراراتٌ تفقد زخمها. تتّخذ اللجنة قراراتٍ جيّدة، لكنّ المتابعة تظلّ خفيفة، ويصعب تتبّع التقدّم بين اجتماعٍ وآخر. والمسألة عادةً مسألة طاقةٍ ودافعية لا صلاحية: حين تبدو الحوكمة مهمّةً إضافية، تميل حتى القرارات السليمة إلى التلاشي تدريجياً.
- إشرافٌ مُضاف على عجل. يُسمّى المشرفون دون أن يُمنحوا وقتاً، فيتحوّل الإشراف إلى عبءٍ إضافيّ فوق وظيفةٍ كاملة — وهو أوّل ما يُهمَل حين يشتدّ ضغط العمل في نهاية الربع. والمشرف الذي لا تُخصَّص له ساعات هو لقبٌ لا دور.
- مسؤوليةٌ مُشتّتة. الجميع «مسؤول» عن جودة البيانات، ومعنى ذلك ألّا أحد يُحاسَب عليها فعلاً.
- هيكلٌ مُستعار. نموذجٌ منقولٌ كما هو عن عرضٍ نظريّ أو عن مؤسسةٍ نظيرة، ويُطبَّق على ثقافةٍ وهيكلٍ تنظيميّ مختلفين، فلا يُلائمها تماماً.
ما الذي يجعلها تدوم
تشترك النماذج التي تدوم في سماتٍ قليلة:
- قراراتٌ تُتابَع حتى النهاية. تتّخذ جهة الحوكمة قراراتها — في التعريفات والمعايير والأولويات — فتكون مُلزِمة، ويُعمَل بها، وتبقى مرئيةً عبر المتابعة والرصد بدل أن تخبو بعد الاجتماع. ونادراً ما تكون الصلاحية هي الفجوة؛ بل المتابعة المستمرّة هي الفجوة في الغالب.
- مسؤوليةٌ مُسمّاة. لكلّ نطاقٍ حسّاس من البيانات مالكٌ واحد مسؤول — شخصٌ لا لجنة.
- إشرافٌ ضمن الدور الوظيفي. مكتوبٌ في صلب الوظيفة، تُرصَد له ساعاتٌ فعلية ويُحتسَب في تقييم الأداء — لا متروكاً لحُسن النيّة.
- الملاءمة قبل الموضة. أن يطابق الهيكلُ الطريقةَ التي تتّخذ بها المؤسسة قراراتها فعلاً، لا ما يقول نموذج النضج إنّه ينبغي أن يكون.
- مرتبطةٌ بالنتائج. الحوكمة المرتبطة بأمرٍ يهمّ العمل — وجع تقريرٍ متعثّر، أو موعدٍ تنظيميّ نهائيّ، أو مبادرة ذكاءٍ اصطناعي — تدوم؛ أمّا الحوكمة بلا هدفٍ متوائمٍ مع العمل فتذبل.
- خفيفةٌ بما يكفي للتعايش معها. مُطبَّقة، لكن دون أن تكون من الثقل بحيث يلتفّ الناس حولها.
اختيار الشكل المناسب
لا يوجد هيكلٌ واحد صحيح. تصف المرجعية المعتمدة (DAMA-DMBOK) ثلاثة أشكالٍ عريضة — مركزيّ (جهةٌ واحدة تحكم كلّ شيء)، ومُكرَّر (كلّ وحدة عملٍ تُشغّل النموذج نفسه)، واتّحاديّ (وظيفةٌ مركزية تنسّق المعايير عبر وحداتٍ تحتفظ بملكيّتها المحلية) — وتستقرّ معظم المؤسسات على وسطٍ اتّحاديّ ما. لكنّ الاختيار ليس في أيّ شكلٍ أفضل نظرياً، بل في أيّها يلائم الطريقة التي تتدفّق بها القرارات في مؤسستك فعلاً. النموذج الذي يلائم يتفوّق على النموذج الرائج، في كلّ مرّة.
الجزء غير البرّاق
نموذج التشغيل الذي يدوم عملٌ غير برّاق — حقوق قرار، ومسؤولية، وإشرافٌ تسنده ساعاتٌ فعلية — لكنّه الفارق بين حوكمةٍ تُدير المؤسسة وحوكمةٍ تلتفّ المؤسسة حولها. ومجال الذكاء الاصطناعي يُعيد اليوم، وبصوتٍ عالٍ، اكتشاف الحقيقة نفسها: أنّ نموذج التشغيل — لا الأداة — هو ما يقرّر هل يعود الاستثمار بعائدٍ أم لا، وهو ما تعرفه حوكمة البيانات منذ عقود. وتصميم هذا النموذج وترسيخه أحد الخدمات الجوهرية التي تقدّمها Green Data؛ وهو كذلك الانضباط الذي يعتمد عليه الذكاء الاصطناعي الجدير بالثقة — الجسر إلى Aiconomica.
سامي طيارة هو المؤسِّس والمستشار الرئيس لـ Green Data — إدارة البيانات وحوكمتها. تواصل معي أو عبر لينكدإن.
